السيد محمد تقي المدرسي
101
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وتأثر الفارابي بنظرة الفيض ( الأفلاطونية الجديدة ) التي هي - في الواقع - حجر الزاوية في الفكر الشرقي ، وهي في ذات الوقت روح فلسفة الإشراق . واتبع ابن سينا نهج شيخه الفارابي في الخطوط العريضة لفلسفته ، وكاد أن يقتحم غمار فلسفة الإشراق ، بل ونجد عنده بوادر رفض المنطق المشائي في كتابه ( منطق المشرقيين ) . يقول الدكتور محمد علي أبو ريان في ذلك : يبقى أن نبين أثر مذهب ابن سينا في المذهب الإشراقي ، ويتضح أثره إذا عرفنا أن المصدر الأساسي الذي أخذت عنه الإشراقية هو نفس المذهب الذي تأثر به ابن سينا والفارابي من قبله « 1 » . أما المستشرق الفرنسي القدير هاربي كوربن فيقول عن السهروردي : إنه اتبع في فلسفته ابن سينا ، حتى في تفاصيل قصصه الحكمية ، كان يتبع نهج ( حي بن يقضان ) ويبدأ قصته من حيث انتهت رحلة بطل ابن سينا ، ولكنه يزعم أن ابن سينا لم يوفق في تكميل فلسفته الإشراقية « 2 » . ولقد استغل السهروردي هذا النفس السلبي عند ابن سينا تجاه المنطق المشائي إلى أبعد حد ممكن ، وربما كان السهروردي بحاجة إلى دعم علمي لفلسفته ، ولم يجد أفضل من ابن سينا الذي اعتبر نفسه امتداداً له ، بالرغم من أن بعض الباحثين لا يرى لابن سينا فضلًا يذكر في هذا الحقل . وربما كانت محاربة ما انتهى إليه علم الكلام من التقوقع والاعتماد المطلق على المنهج القياسي لدى أرسطو أحد العوامل التي ساهمت في نمو فلسفة الإشراق . خصوصاً وهناك بعض الباحثين الذين يؤكدون أن الغزالي الذي هاجم الفلسفة وألف كتابه المعروف ( تهافت الفلاسفة ) في ذلك ، لم يكن في الواقع يهاجم سوى فلسفة المشائيين لمصلحة الفلسفة الإشراقية .
--> ( 1 ) ( ) أصول الفلسفة الإشراقية ، ص 114 . ( 2 ) ( ) تاريخ فلسفة إسلامي - فاربي كوربن - ترجمة إلى الفارسية الدكتور : أسد الله مبشرى ، ص 272 .